الشوكاني

84

فتح القدير

- وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله - وقيل الجواب متقدم ، وفى الكلام تقديم وتأخير : أي وهم يكفرون بالرحمن لو أن قرآنا إلى آخره ، وكثيرا ما تحذف العرب جواب لو إذا دل عليه سياق الكلام ، ومنه قول امرئ القيس فلو أنها نفس تموت جميعة * ولكنها نفس تساقط أنفسا أي لهان علي ذلك ( بل لله الأمر جميعا ) أي لو أن قرآنا فعل به ذلك لكان هذا القرآن ، ولكن لم يفعل بل فعل ما عليه الشأن الآن ، فلو شاء أن يؤمنوا لآمنوا وإذا لم يشأ أن يؤمنوا لم ينفع تسيير الجبال وسائر ما اقترحوه من الآيات ، فالإضراب متوجه إلى ما يؤدى إليه كون الأمر لله سبحانه ويستلزمه من توقف الأمر على ما تقتضيه حكمته ومشيئته ، ويدل على أن هذا هو المعنى المراد من ذلك قوله ( أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ) * قال الفراء : قال الكلبي أفلم ييأس بمعنى أفلم يعلم ، وهى لغة النخع . قال في الصحاح : وقيل هي لغة هوازن ، وبهذا قال جماعة من السلف . قال أبو عبيدة : أفلم يعلموا ويتبينوا . قال الزجاج : وهو مجاز لأن اليائس من الشئ عالم بأنه لا يكون ، نظيره استعمال الرجاء في معنى الخوف ، والنسيان في الترك لتضمنهما إياهما ، ويؤيده قراءة على وابن عباس وجماعة : أفلم يتبين ، ومن هذا قول رباح بن عدي : ألم ييأس الأقوام أنى أنا ابنه * وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا أي ألم يعلم ، وأنشد في هذا أبو عبيدة قول مالك بن عوف النضري : أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني الرحمن * ألم تيأسوا أنى ابن فارس زهدم أي ألم تعلموا ، فمعنى الآية على هذا : أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا من غير أن يشاهدوا الآيات ، وقيل إن الإياس على معناه الحقيقي : أي أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الكفار ، لعلمهم أن الله تعالى لو أراد هدايتهم لهداهم ، لأن المؤمنين تمنوا نزول الآيات التي اقترحها الكفار طمعا في إيمانهم ( ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ) هذا وعيد للكفار على العموم أو لكفار مكة على الخصوص : أي لا يزال الذين كفروا تصيبهم بسبب ما صنعوا من الكفر والتكذيب للرسل قارعة : أي داهية تفجؤهم ، يقال قرعه الأمر إذا أصابه ، والجمع قوارع ، والأصل في القرع الضرب . قال الشاعر : أفنى تلادى وما جمعت من نشب * قرع القراقير أفواه الأباريق والمعنى : أن الكفار لا يزالون كذلك حتى تصيبهم داهية مهلكة من قتل أو أسر أو جدب أو نحو ذلك من العذاب ، وقد قيل إن القارعة : النكبة ، وقيل الطلائع والسرايا ، ولا يخفى أن القارعة تطلق على ما هو أعم من ذلك ( أو تحل ) أي القارعة ( قريبا من دارهم ) فيفزعون منها ويشاهدون من آثارها ما ترجف له قلوبهم وترعد منه بوادرهم ، وقيل إن الضمير في ( تحل ) للنبي صلى الله عليه وآله وسلم . والمعنى : أو تحل أنت يا محمد قريبا من دارهم محاصرا لهم آخذا بمخانقهم كما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم لأهل الطائف ( حتى يأتي وعد الله ) وهو موتهم ، أو قيام الساعة عليهم ، فإنه إذا جاء وعد الله المحتوم حل بهم من عذابه ما هو الغاية في الشدة ، وقيل المراد بوعد الله هنا الإذن منه بقتال الكفار . والأول أولى ( إن الله لا يخلف الميعاد ) فما جرى به وعده فهو كائن لا محالة ( ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ) التنكير في رسل للتكثير : أي برسل كثيرة ، والإملاء : الإمهال ، وقد مر تحقيقه في الأعراف ( ثم أخذتهم ) بالعذاب الذي أنزلته بهم ( فكيف كان عقاب ) الاستفهام للتقريع والتهديد : أي فكيف كان عقابي لهؤلاء الكفار الذين استهزءوا بالرسل ، فأمليت لهم ثم أخذتهم . ثم استفهم